عفيف الدين التلمساني

190

شرح مواقف النفري

العدمية ، وعلامة سعادة العبد رؤية هذه التنزلات بمنزلة الأنوار وأحكام السوى في القلب بمنزلة الظلم ، فكل ما ورد نور صرف من القلب ظلمة حتى يصير القلب كله نورا كما قال عليه الصلاة والسلام : « اللهم اجعل لي نورا واجعلني نورا » « 1 » وهذه الحالة علامة العناية الإلهية لا الإطراح . قوله : ( وقال لي : احفظ عينيك وكل الجميع إليّ ) . قلت : هذا معنى ذكره في تنزل آخر وهو قوله الإطراق عبور الدنيا والآخرة والنظر حبل الدنيا والآخرة ، فكأنه يأمره بالإطراق ، وهو الإعراض عن المبصرات . وفي معنى الإعراض عن المبصرات الإعراض عن بقية المحسوسات ، ومعنى قوله : « وكل الجميع إلي » أي إذا عرضت عنها فلا تتكل فيما أعرضت عنه على غيري وإذ حل بي عنها كلها . قوله : ( وقال لي : إنك إن حفظتهما حفظت قلبك حكومته ) . قلت : معناه أن أعرض عن المحسوسات اكتفاء بالحق تعالى لقنه الحق حجته وهي الحكومة المذكورة أي الحجة عند الحكومة ، ويشبه هذا المعنى أن المتوكل على ربه تعالى لا يحاسب كما ذكر في الحديث النبوي : « أن سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب وهم الذين لا يرقون ولا يترقون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون » « 2 » ووجه الشبه أن المتوكل أن لو حوسب لكانت حجته ظاهرة بأن يقول

--> ( 1 ) رواه مسلم في صحيحه ، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه ، حديث رقم ( 763 ) [ 1 / 528 ] وأحمد في المسند ، عن عبد اللّه بن عباس ، ورواه غيرهما ونصّه : عن عبد اللّه بن عباس قال : بتّ في بيت خالتي ميمونة فبقيت كيف أرقب كيف يصلي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ؟ قال : فقام فبال ثم غسل وجهه وكفّيه ثم نام ثم قام إلى القربة فأطلق شناقها ثم صبّ في الجفنة أو القصعة فأكبّه بيده عليها ثم توضأ وضوءا حسنا بين الوضوءين ثم قام يصلّي فجئت فقمت إلى جنبه فقمت عن يساره قال : فأخذني فأقامني عن يمينه فتكاملت صلاة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثلاث عشرة ركعة ثم نام حتى نفخ وكنّا نعرفه إذا نام بنفخه ثم خرج إلى الصلاة فصلّى فجعل يقول في صلاته أو سجوده : اللّهمّ اجعل في قلبي نورا وفي سمعي نورا وفي بصري نورا وعن يميني نورا وعن شمالي نورا وأمامي نورا وخلفي نورا وفوقي نورا وتحتي نورا واجعل لي نورا أو قال : واجعلني نورا » . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ، باب من لم يرق ، حديث رقم ( 5420 ) [ 5 / 2170 ] ومسلم في صحيحه ، باب الدليل على دخول طوائف من المسلمين . . . ، حديث رقم ( 220 ) [ 1 / 199 ] ، ونصّه : عن ابن عباس رضي اللّه عنهما قال : خرج علينا النبي صلى اللّه عليه وسلم يوما فقال : « عرضت عليّ الأمم فجعل يمرّ النبي معه الرجل والنبي معه الرجلان والنبي معه الرّهط والنبي ليس معه أحد ورأيت سوادا كثيرا سدّ الأفق فرجوت أن يكون أمتي فقيل : هذا موسى وقومه ثم قيل لي : انظر فرأيت -